الذكاء الإصطناعي

التدريس (باستخدام) الذكاء الاصطناعي: العشرون عامًا القادمة


Teaching (with) Artificial Intelligence: The Next Twenty Years
ستيفن ميشيلز — جامعة Sacred Heart
ملخص المقال باللغة العربية

مقدمة
يتناول هذا المقال تأثير الذكاء الاصطناعي، ولا سيما ChatGPT الذي أطلقته شركة OpenAI في نوفمبر 2022، على منظومة التعليم الجامعي برمتها. فقد أحدث هذا البوت اضطراباً عميقاً في الأوساط الأكاديمية؛ إذ اعتمد قدرته على معالجة اللغة الطبيعية وتوليد نصوص فريدة تعجز برامج اكتشاف الانتحال التقليدية عن تمييزها. أجبر هذا التطور المؤسسات التعليمية على إعادة النظر في طبيعة الواجبات المطلوبة من طلابها وأهدافها الجوهرية.
يرى الكاتب أن محاولة حظر الذكاء الاصطناعي أو تجاهله مسعىً غير مجدٍ، لأنه لا يختلف في جوهره عن الآلات الحاسبة والحواسيب وسواها من الأدوات التقنية التي أعادت تشكيل التعليم قبله. بل يدعو إلى اعتبار هذه التقنية فرصةً ثمينة لتحسين أساليب التدريس، وتفعيل التعلم النشط، والنهوض بالمخرجات الأكاديمية والمهنية للطلاب.

أولاً: النزاهة الأكاديمية
تصدّر القلق من الغش الأكاديمي ردود فعل المعلمين تجاه الذكاء الاصطناعي، غير أن برامج اكتشاف الانتحال المتاحة لا تزال قاصرة. فقد صنّف GPTZero أحد عشر من أصل عشرين مقالاً طبياً على أنها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، فيما راجع Turnitin نسبة خطأ كانت أقل من واحد بالمئة إلى رقم غير مُعلن. ويُحذّر الكاتب من أن التعامل مع هذه الأدوات على أنها حلٌّ ناجع إنما يُدخلنا في سباق تسلح بلا نهاية مع روبوتات توليد النصوص.
ويستند إلى دراسات تثبت أن الطلاب الذين يستوعبون مادة المقرر جيداً هم الأقل ميلاً للغش، وأن توعية الطلاب بمبادئ النزاهة الأكاديمية مسبقاً تُقلّص حالات الانتحال تقليصاً ملحوظاً. ومن ثَمّ، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي بصورة واعية في بيئة التدريس يُعدّ الاستراتيجية الأجدى للحدّ من الاستخدام غير الأمين له.

ثانياً: مهارات الكتابة
يُشكّل التعامل السلبي مع الذكاء الاصطناعي خطراً داهماً على تنمية مهارات الكتابة الأكاديمية؛ إذ قد يتحوّل الطلاب إلى مجرد منتجين سلبيين للنصوص بدلاً من كُتّاب ناقدين مفكرين. ولذا، فإن الحل لا يكمن في الحظر، بل في تصميم تكليفات تُشرك الطلاب فعلياً، كمراجعة ما يُنتجه الذكاء الاصطناعي وتقييمه ومراجعته، وكتابة المذكرات والمقالات الرأيية والنقاشات التي تُعمّق التفكير النقدي والتأملي.
ويُشير الكاتب إلى أن الذكاء الاصطناعي يمنح أيضاً إمكانية تقديم تغذية راجعة فورية ونوعية على الكتابة بكل أشكالها، مما يُخفّف العبء عن كاهل أعضاء هيئة التدريس، ويُتيح لهم توجيه جهودهم نحو تطوير المهارات العليا لدى طلابهم.

ثالثاً: تقديم المحتوى والفهم
يُتيح الذكاء الاصطناعي للمحاضرين إنتاج محتوى تعليمي أكثر وضوحاً وثراءً وتفاعلية في زمن قياسي. ويمكن للطلاب الاستفادة منه في استيعاب المفاهيم بطريقة أكثر ديناميكية وشخصية مقارنةً بالقاموس أو الكتاب المدرسي الجامد. كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تسهيل الوصول للطلاب ذوي الإعاقات الجسدية والتعليمية الخاصة، ويُيسّر تصميم المقررات الجديدة من الصفر، بما فيها المخرجات التعليمية والتكليفات المقترحة.

رابعاً: محو الأمية المعلوماتية
يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة البحث وجمع المعلومات جذرياً. فمن إيجابياته أنه يُنتج نتائج أقل وأكثر تنظيماً واتساقاً مقارنةً بالفوضى التي يُغرق فيها Google الباحثين. غير أنه يعاني من نقيصة خطيرة: يختلق مصادر وهمية بيقين تام؛ فقد اجتاز ChatGPT امتحان المحاماة، لكنه أدرج في مرافعات قانونية قضايا لم تقع قط.
لذلك، لا تزال مهارات الثقافة المعلوماتية ضرورة قصوى لا غنى عنها؛ وعلى المعلمين تدريب طلابهم على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي نقدياً والتحقق منها، تماماً كما علّمناهم التمييز بين المصادر الموثوقة والمواقع المشبوهة في عصر الإنترنت.

خامساً: التفكير النقدي
يظل التفكير النقدي المجال الأكثر استعصاءً على الذكاء الاصطناعي؛ فهو أداة توليد نصوص لا مُنتِج أفكار. وقد وصفه العلماء بأنه 'ببغاء إحصائي' أو 'هراء طليق'، نظراً لأنه يفتقر إلى الأفكار الأصيلة التي تُمثّل جوهر الحياة الأكاديمية. فضلاً عن ذلك، يرث الذكاء الاصطناعي التحيزات الإدراكية للعقل البشري، كالتحيز الإرشادي والتحيز الأيديولوجي، وقد يُفرز خطاباً متطرفاً إذا أُسيء ضبطه.
ومما يُقلق أن الطلاب باتوا يُفرطون في الاتكاء على الذكاء الاصطناعي مدفوعين بضغوط الأداء والدرجات. وتكمن الإجابة في نمذجة التفكير النقدي الصريح داخل الفصول، وتصميم تمارين تُوظّف مخرجات الذكاء الاصطناعي مادةً خاماً للتحليل والمراجعة والنقد.

سادساً: التعلم النشط والتقييم
يفتح الذكاء الاصطناعي أُفقاً رحباً أمام التعلم النشط؛ إذ يُمكّن من محاكاة شخصية ومتمايزة تُعالج الحواجز اللوجستية التي طالما أعاقت استخدام المحاكاة في الفصول الدراسية. ومن أبرز تطبيقاته 'العينات السيليكونية'، وهي تقنية تُحاكي مستجيبين بشريين من خلفيات ديموغرافية متنوعة لأغراض البحث وتصميم مجموعات التركيز الافتراضية.
أما التقييم، فيستوجب إعادة هيكلة جذرية في ضوء الذكاء الاصطناعي. ومن الاستراتيجيات الواعدة: ربط التكليفات بالتجارب الشخصية للطلاب، وتكثيف الكتابة الصفية المُراقبة، واعتماد الامتحانات الشفهية التي تتحقق من استيعاب الطالب الحقيقي وتُقيّم قدرته على الدفاع عن عمله.

سابعاً: الاستعداد المهني
يُؤكد الكاتب أن إتقان التعامل مع الذكاء الاصطناعي أصبح مهارةً مهنية لا غنى عنها في سوق العمل المعاصر. وقد نشأت مهنة جديدة تُعرف بـ 'هندسة الأوامر' (Prompt Engineering)، وهي القدرة على صياغة استفسارات فعّالة للذكاء الاصطناعي والحصول على مخرجات ذات جودة. وقد بات ChatGPT مطلوباً في كثير من إعلانات التوظيف على منصة ZipRecruiter.
ويُشير الكاتب إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يسرق وظيفة أحد، لكن من يُحسن توظيفه سيتقدم على من لا يُحسنه. لذا، على المؤسسات الأكاديمية دمج تطوير الكفاءة الرقمية في مناهجها الدراسية، خاصةً أن تخصصات العلوم الإنسانية، كالعلوم السياسية، تُمثّل بيئةً خصبة لتنمية التفكير النقدي ومحو الأمية المعلوماتية والأخلاقيات المهنية.

خاتمة
يُلخّص الكاتب رؤيته بأن الذكاء الاصطناعي يمثّل في آنٍ واحد مهارةً ومحتوىً؛ فعلى المعلمين تزويد طلابهم بأدوات استخدامه الفعّال، وتعريفهم بطبيعته وحدوده وكيفية تقاطعه مع مواد مقرراتهم. كما يستوجب بقاء الأكاديميين على اطلاع دائم بالتطورات المتسارعة في هذا المجال، لا سيما قضاياه القانونية والأخلاقية الناشئة: حرية التعبير الاصطناعي، والتزييف العميق، ومحاكاة الأساليب الفنية.
وتبرز في الأفق تحديات مالية جسيمة تتعلق بتكاليف الوصول إلى هذه التقنيات وتزايد الفجوة الرقمية، فضلاً عن مخاوف جدية تتصل بهيمنة الذكاء الاصطناعي على الخطاب السياسي وتهديده لأسس الديمقراطية. وتبقى العشرون عامًا القادمة حافلةً بالتحولات العميقة، إذ ستنصبّ جُلّ اهتمامات المعلمين والمؤسسات الأكاديمية على رصد أثر الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في خدمة العملية التعليمية.

 

النشرة البريدية

الرجاء تعبئة التفاصيل ادناه لتلقي نشرتنا البريدية