الذكاء الإصطناعي

هل يجعلنا الذكاء الاصطناعي أقل ذكاءً؟ ربما لا، لكن مهاراتنا قد تكون في خطر


يقول العلماء إن المهارات التي تعلمناها قد تضعف إذا اعتمدنا على الذكاء الاصطناعي بشكل مفرط. ولكي نحافظ على مهاراتنا أو نتعلم مهارات جديدة، علينا أن نبقي عقولنا مشاركة في عملية التفكير.


أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم قادرًا على كتابة المقالات الجامعية، والتخطيط لوجباتنا، وصياغة رسائل البريد الإلكتروني.
لكن فوائد هذه المساعدة تثير آراءً متباينة جدًا. فالبعض يرى الذكاء الاصطناعي أداة توفر لنا الوقت لنخصصه لأنشطة أخرى. بينما يخشى آخرون من أن يؤدي تفويض عملية التفكير إلى الحاسوب إلى إضعاف قدرتنا على التفكير بأنفسنا. وقد ظهرت بالفعل عناوين صحفية تحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يجعلنا أكثر كسلًا أو أقل ذكاءً، بل وقد يساهم في انهيار الحضارة.
لكن الحقيقة ربما تكون في مكانٍ ما بين هذين الرأيين، كما يقول ترنت كاش (Trent Cash)، الباحث في العلوم السلوكية بجامعة واترلو في كندا.
فالمهارات التي نتعلمها، مثل القدرة على حل مسائل الرياضيات أو اكتشاف السلائل أثناء إجراء تنظير القولون، قد تضعف بالفعل إذا تولى الذكاء الاصطناعي أداءها بدلًا منا، بحسب ما ذكره كاش وزملاؤه في دراسة نُشرت في 9 يوليو في مجلة Trends in Cognitive Sciences.
ويقول كاش:
«الأدلة واضحة جدًا: إذا فوّضنا مهارة معينة إلى الذكاء الاصطناعي، فمن المحتمل ألا نحافظ على هذه المهارة بشكل جيد.»
وتشير الأدلة الحديثة إلى أن نوع أداة الذكاء الاصطناعي والطريقة التي نستخدمها بها هما العاملان الأساسيان في تحديد ما إذا كنا سنحافظ على مهاراتنا أو نكتسب مهارات جديدة.
فالذكاء الاصطناعي قد يضعف مهاراتنا بشكل أكبر عندما يحل محل الجهد الذهني المطلوب لممارسة المهارة. أما إذا بقينا مشاركين ذهنيًا، واستخدمنا الذكاء الاصطناعي للحصول على ملاحظات أو أمثلة أثناء التعلم، فقد يساعدنا ذلك على الحفاظ على مهاراتنا، وربما تطويرها أيضًا.
وبشكل عام، يرى كاش أن المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تآكل الذكاء البشري تدريجيًا ربما تكون مبالغًا فيها. كما أنه لا يعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى السيناريو الكارثي الذي يتخيله البعض، حيث يفقد البشر تمامًا قدرتهم على التفكير.
ويقول: «البشر قادرون على التكيف. لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيحوّل أدمغتنا فجأة إلى شيء عديم الفائدة.»


عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بالمهمة بدلًا منا، تضعف المهارات
بدأت مجموعة متزايدة من الدراسات توضح كيف تتعامل أدمغتنا مع المساعدة الفكرية التي توفرها أدوات الذكاء الاصطناعي، وبعض النتائج ليست مطمئنة.
في دراسة أُجريت عام 2025 على أطباء مدربين على اكتشاف السلائل أثناء تنظير القولون، بدا أن استخدام أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي أدى إلى إضعاف هذه المهارة المتخصصة.
فبعد استخدام الأطباء للأداة لمدة ثلاثة أشهر، وعندما عادوا إلى إجراء الفحوصات من دون مساعدة الذكاء الاصطناعي، انخفضت قدرتهم على اكتشاف السلائل.
ويقترح الباحثون أن الأطباء، كما يشرح كاش، «نسوا نوعًا ما ما الذي يجب أن يبحثوا عنه».
ولا يقتصر هذا الأمر على المهارات الطبية المتخصصة.
ففي دراسة أُجريت على طلاب المدارس الثانوية الذين كانوا يتعلمون مفهومًا جديدًا في الرياضيات، ساعدتهم أداة شبيهة بـChatGPT في حل مسائل التدريب. لكن عندما أُزيلت الأداة، كان أداء هؤلاء الطلاب أسوأ من أداء الطلاب الذين لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي أصلًا.
وقد نشر هذه النتائج الباحث الاقتصادي ألب سونغو (Alp Sungu) من كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا وزملاؤه في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences.
ووجد الباحثون نتيجة مشابهة في مجال فهم النصوص المقروءة.
فالأشخاص الذين استخدموا مساعدًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لحل أسئلة تدريبية من اختبار SAT واجهوا صعوبة في الإجابة بصورة صحيحة عندما أُزيلت المساعدة.
كما أصبحوا أكثر ميلًا إلى تجاوز الأسئلة وعدم محاولة الإجابة عنها مقارنة بالأشخاص الذين لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي.
بمعنى آخر، كانوا يستسلمون بسهولة أكبر.
وكتب الباحثون:
«هذه النتائج مثيرة للقلق بشكل خاص، لأن المثابرة عنصر أساسي في اكتساب المهارات.»
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن الناس يواجهون صعوبة عندما يسمحون للذكاء الاصطناعي بتولي المهمة بالكامل، سواء كانت المهمة اكتشاف مشكلة طبية، أو حل مسألة، أو الاستمرار في محاولة الإجابة عن سؤال صعب.
ويلخص كاش الفكرة بمبدأ معروف:
«استخدم المهارة وإلا ستفقدها.»
ويسمي ذلك ضرورة البقاء داخل دائرة التفكير، أي ألا نسمح للذكاء الاصطناعي بأن يقوم بكل التفكير نيابةً عنا.
ويقول:
«إذا لم تشارك بنفسك في الجهد الذهني، فلن تتعلم المهارة.»


يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا إذا أبقانا نفكر
استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن مهاراتنا ستضعف.
فمن الممكن أن نبذل الجهد المطلوب للتعلم، وفي الوقت نفسه نستفيد من بعض المساعدة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، كما يقول سونغو.
والأفضل في هذه الحالة هو استخدام أدوات تقدم إرشادات أو أمثلة أو تلميحات، بدلًا من تقديم الحل النهائي كاملًا.
ففي الدراسة التي أُجريت على طلاب المدارس الثانوية، صمم سونغو وزملاؤه أداة ذكاء اصطناعي تحتوي على ضوابط تساعد على التعلم.
كانت الأداة تشبه ChatGPT، لكنها صُممت بحيث لا تقدم الإجابة مباشرة. وبدلًا من ذلك، كانت تقدم للطلاب تلميحات تساعدهم على حل المسألة وتشجعهم على الاستمرار.
ووجد الباحثون أن الطلاب الذين استخدموا هذه الطريقة تعلموا المفهوم الرياضي الجديد بمستوى مشابه للطلاب الذين تعلموا بالطريقة التقليدية باستخدام الكتب.
ويقول سونغو:
«عندما تحل مشكلة، عليك أن تخوض في تفاصيلها بنفسك.»
ويوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي كمعلّم يختلف كثيرًا عن استخدامه كآلة تعطي الإجابات.
فالطلاب ما زالوا بحاجة إلى التفكير بأنفسهم. وفي الحقيقة، فإن الصعوبة التي نواجهها أثناء محاولة فهم مفهوم جديد هي جزء مهم من عملية التعلم.
الذكاء الاصطناعي قد يكون معلّمًا جيدًا أيضًا
يرى بنجامين ليرا لوتغيس (Benjamin Lira Luttges)، الباحث في العلوم السلوكية في كلية وارتون، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون معلّمًا جيدًا لمن يرغب في بذل بعض الجهد.
فقد وجد هو وزملاؤه أنه عند تعليم الأشخاص كيفية تحسين رسائل التقديم للعمل، كانت أداة الذكاء الاصطناعي فعالة بقدر الحصول على ملاحظات من متخصصين.
بعد التدريب باستخدام إما الذكاء الاصطناعي أو ملاحظات بشرية، طُلب من المشاركين تعديل رسالة تقديم مكتوبة بشكل سيئ من دون أي مساعدة.
ثم قام مقيّمون بشريون بتحديد الرسائل التي يُرجح أن تساعد صاحبها على الحصول على مقابلة عمل.
وكانت الرسائل التي كتبها أفراد المجموعتين متساوية تقريبًا في فرص الحصول على مقابلة، بحسب دراسة أولية نشرها الباحثون عام 2026.
ومن المثير للاهتمام أن أداة الذكاء الاصطناعي في هذه التجارب كانت تعيد كتابة رسالة التقديم كاملة.
وقد يبدو ذلك وكأن المشاركين لم يكونوا بحاجة إلى التفكير كثيرًا، لكن الباحثين وجدوا العكس.
فبدلًا من نسخ النص الذي أعاد الذكاء الاصطناعي كتابته وإرساله مباشرة، كان الأشخاص يقرؤونه ويقضون بعض الوقت في تعديل الكلمات والصياغة.
ويقول ليرا لوتغيس:
«كانوا ما زالوا يعملون ويفكرون.»
وتشير النتيجة إلى أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعلّمنا من خلال تقديم أمثلة جيدة، بشرط أن يكون الشخص نفسه لديه رغبة حقيقية في التعلم.
لا تفوّض للذكاء الاصطناعي المهارات التي تهمك
رغم أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجعلنا نستمر في التفكير قد تساعد على تحسين بعض مهاراتنا، يحذر العلماء من ضرورة التفكير جيدًا في الأمور التي نسمح للذكاء الاصطناعي بأدائها نيابةً عنا.
وينصح كاش بأنه إذا كانت هناك مهارة مهمة بالنسبة لك، فلا تسلّمها بالكامل للذكاء الاصطناعي.
ويقول:
«نحن نعلم أن المهارات تُكتسب من خلال الممارسة، وتستمر من خلال الاستمرار في ممارستها.»
ويتفق معه ليرا لوتغيس.
ويرى أن على كل شخص التفكير في المهارات التي يرغب في الحفاظ عليها، سواء كانت القدرة على اختيار الصياغة المثالية لجملة ما، أو ابتكار طبق لذيذ من المكونات الموجودة في المنزل.
ويقول:
«لا ينبغي أن تفوّض الأشياء التي تستمتع بها والتي تمنحك إحساسًا بالمعنى.»
ويلخص فكرته بعبارة بسيطة:
«فوّض للذكاء الاصطناعي الأعمال المزعجة، وليس المهارات التي تحب إتقانها.»

المصدر:

النشرة البريدية

الرجاء تعبئة التفاصيل ادناه لتلقي نشرتنا البريدية