البيئة والمناخ

الإفراط في استخدام تكييف الهواء قد يؤدي إلى ارتفاع حرارة المدن — وقد تكون تقنيات التبريد السلبي هي الحل في المستقبل

تكشف أبحاث جديدة كيف ستزداد أهمية تقنيات التبريد السلبي في خفض استهلاك الطاقة وتبريد المناطق الحضرية. تعرّف أكثر إلى هذه التقنيات.

في مدينة شديدة الحرارة في ذروة فصل الصيف، حيث يكاد المرء يرى الحرارة تتصاعد من الطرق الإسفلتية، قد يبدو المبنى المكيّف وكأنه واحة.
لكن المشكلة تكمن في أن الهواء البارد الذي توفره أجهزة تكييف الهواء داخل المباني قد يؤدي إلى زيادة حرارة الشوارع في الخارج. ولخفض درجات حرارة المدن بصورة عامة، يرى الباحثون أن على المباني اعتماد المزيد من تقنيات التبريد السلبي، التي تعمل على خفض درجات الحرارة من دون استهلاك الكهرباء، وبالتالي تقلل العبء الواقع على أجهزة تكييف الهواء.
وقال مات سانتاموريس (Mat Santamouris)، عالم الفيزياء في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني بأستراليا، لمجلة Discover، إنه إذا اعتمدت المباني طلاءات خاصة، وأنظمة تهوية محسّنة، ومراوح سقفية، وغيرها من التقنيات، فقد تتمكن المدن من خفض متوسط درجات الحرارة بعدة درجات، مما يقلل الحاجة العامة إلى استخدام تكييف الهواء.


لماذا ينبغي لنا تقليل الاعتماد على تكييف الهواء ؟
يُعد تكييف الهواء تقنية مهمة للغاية، إذ يساعد على خفض درجات الحرارة اللاهبة خلال فصل الصيف، ولا سيما في المناطق ذات المناخ الحار. إلا أن استخدامه يأتي بتكلفة مرتفعة؛ ففي المنازل المخصصة لأسرة واحدة، قد تبلغ تكلفة أجهزة التكييف وحدها عدة آلاف من الدولارات، فضلًا عن فواتير الكهرباء الشهرية.
وقد أشارت بيانات نشرتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قبل عدة سنوات إلى أن تكييف الهواء كان مسؤولًا عن نحو 12% من إجمالي استهلاك الطاقة في المنزل الواحد.
وإلى جانب التكلفة المالية، يفرض هذا الاستهلاك الكبير للطاقة عبئًا على البيئة. وتشير بعض الدراسات إلى أن تكييف الهواء مسؤول عن نحو 3% من انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا، ومن المتوقع أن يزداد الطلب عليه مع تطور اقتصادات الدول الأقل دخلًا، وفقًا لموقع Our World in Data.
ويؤدي ارتفاع انبعاثات غازات الدفيئة إلى زيادة متوسط درجات الحرارة العالمية؛ ومن ثم تنشأ حلقة مفرغة: إذ يساهم استخدام تكييف الهواء في الاحترار العالمي، والذي يؤدي بدوره إلى زيادة الحاجة إلى استخدام أجهزة التكييف.
ويرى سانتاموريس أن تحقيق أهداف الحياد الكربوني أو الوصول إلى صافي انبعاثات كربونية صفرية سيكون بالغ الصعوبة إذا استمر اعتمادنا الكبير على تكييف الهواء.
ولا تقتصر المشكلة على الانبعاثات الناتجة عن استهلاك الطاقة، بل إن أجهزة تكييف الهواء تولد الحرارة بصورة مباشرة أيضًا. فعلى الرغم من أنها تبرد الهواء داخل المنزل أو المبنى، فإنها تطرد الحرارة إلى الهواء الخارجي المحيط. وهذا يعني أن تشغيل أجهزة التكييف في كل مبنى يجعل الشوارع والمباني المحيطة به أكثر حرارة بدرجة ما.
وتستطيع بعض المدن الحد من جزء من هذه الحرارة الإضافية من خلال زراعة المزيد من الأشجار وإنشاء مزيد من الحدائق والمساحات الخضراء التي توفر الظل، إلا أن سانتاموريس أوضح أن هذه الإجراءات وحدها غير كافية.
وقال: "نحن بحاجة الآن إلى حلول أكثر جذرية بكثير".
لكن حل هذه المشكلة ليس بسيطًا إلى درجة إيقاف أجهزة التكييف عن العمل؛ فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، أصبحت بعض المناطق تشهد موجات حر بوتيرة أكبر.
وأضاف سانتاموريس: لموجات الحر تأثير هائل في الاقتصاد، كما أن لها تأثيرًا هائلًا في الصحة.


كيف يمكن تقليل الحاجة إلى تكييف الهواء؟
في دراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة Nature Reviews Clean Technology، استعرض سانتاموريس وزملاؤه مجموعة من تقنيات التبريد السلبي التي تساعد على خفض درجات الحرارة من دون الاعتماد على أجهزة تكييف الهواء.
ومن الأمثلة على التقنيات الفعالة الطلاءات الإشعاعية (Radiative Coatings). إذ تعمل هذه الأنواع من الطلاء على عكس معظم أشعة الشمس بدلًا من امتصاصها. وعند استخدامها على أسطح المباني، فإنها تستطيع إعادة توجيه الحرارة إلى أعلى عبر الغلاف الجوي ومنه إلى الفضاء الخارجي.
أما الطلاءات المعتمدة على التبريد التبخيري (Evaporative Coatings)، فهي تقنية حديثة نسبيًا تستخدم نظام تبريد يعتمد على الهلام المائي (Hydrogel). ويعمل هذا الطلاء البوليمري بصورة أساسية على امتصاص الرطوبة خلال الليل عندما تكون درجات الحرارة منخفضة، ثم يطلق هذه الرطوبة عندما ترتفع درجات الحرارة، مما يساعد على تبريد السطح.
كما يمكن لأنظمة التظليل المثبتة على الجوانب الخارجية للمباني، إلى جانب تحسين التهوية الداخلية، أن تساعد على منع أشعة الشمس من دخول المبنى وإعادة توزيع الحرارة بصورة أكثر كفاءة.
وذكر سانتاموريس أن مراوح السقف المتقدمة يمكنها أيضًا زيادة الإحساس بالراحة في درجات الحرارة المرتفعة والمساعدة على تبريد الغرف.
إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الأسطح الخضراء التي تحتوي على حدائق أو نباتات أخرى، مما يساهم في التبريد السلبي للمباني. ويمكن أيضًا خفض درجات حرارة المدن باستخدام مواد رصف عاكسة لأشعة الشمس في الأرصفة والشوارع.
وقالت ليفيا فريتز (Livia Fritz)، عالمة الجغرافيا في جامعة جنيف بسويسرا، والتي لم تشارك في المراجعة الأخيرة التي أجراها سانتاموريس، إن الدراسة تأتي في توقيت مهم. وأكدت اتفاقها مع فكرة أن التبريد السلبي ينبغي أن يحتل موقعًا محوريًا، بينما ينبغي استخدام وسائل التبريد الميكانيكية، مثل تكييف الهواء، فقط باعتبارها:"خيارًا احتياطيًا أو استجابة قصيرة الأجل، بدلًا من أن تكون الحل الافتراضي".
ويمكن إضافة كثير من تقنيات التبريد السلبي إلى المباني القائمة بالفعل من خلال عمليات التحديث والتأهيل، على الرغم من أن سانتاموريس أشار إلى أن المباني التراثية القديمة قد تواجه صعوبة أكبر في إجراء بعض هذه التعديلات.
ولكن بمجرد تطبيق هذه التقنيات، تكون تكاليف تشغيل العديد منها، مثل الطلاءات المحسّنة وأنظمة التهوية، منخفضة للغاية. كما تستهلك المراوح طاقة أقل بكثير من أجهزة تكييف الهواء.
وفي الوقت نفسه، ينبغي تصميم المباني الجديدة منذ البداية بحيث تتضمن هذه التقنيات، ولا سيما أن هذه المباني ستظل قائمة خلال العقود المقبلة وستواجه الظروف المناخية المستقبلية، وفقًا لسانتاموريس.


كيف سيسهم التبريد السلبي في خفض درجات حرارة المدن؟
يمكن أن يؤدي استخدام مجموعة من تقنيات التبريد السلبي، إلى جانب التصميم الكفء للمباني، إلى خفض الحاجة إلى تكييف الهواء بنسبة قد تصل إلى 80%.
ولا يعني ذلك بالضرورة تقليل كمية ضوء الشمس داخل المباني؛ إذ أوضح سانتاموريس أنه يمكن توفير إضاءة طبيعية ممتازة من دون إدخال كميات كبيرة من الحرارة إلى المبنى.
وأشار إلى مثال سنغافورة الاستوائية، وهي مدينة يتراوح متوسط درجات الحرارة العظمى نهارًا على مدار العام فيها بين 87 و91 درجة فهرنهايت، أي ما يقارب 31 إلى 33 درجة مئوية، حيث توجد اليوم مبانٍ لا تستخدم أجهزة تكييف الهواء على الإطلاق.
ويكون التأثير تراكميًا عندما يتعلق الأمر بخفض درجات حرارة المدن؛ فكلما زاد عدد المباني التي تعتمد تقنيات التبريد السلبي، أصبحت المدينة بأكملها أكثر برودة.
وقالت فريتز : "يجب أن يكون التبريد جزءًا من نهج منهجي متكامل للتكيف الحضري، وليس مجرد مجموعة من الحلول التقنية المطبقة على المباني بصورة منفردة. فالطريقة التي تُخطط بها المدن وتُدار تؤثر في مدى تعرض السكان للحرارة، وفي كيفية توزيع مواطن الضعف بين مختلف فئات السكان".
ولا تقتصر أهمية التبريد السلبي على تقليل الاعتماد على أجهزة تكييف الهواء في الدول المتقدمة؛ إذ إن نسبة كبيرة من سكان العالم لا تملك أصلًا الموارد المالية اللازمة لتجهيز منازلها بأجهزة تكييف الهواء.
وبالتالي، يمكن لتقنيات التبريد السلبي أن توفر بديلًا أقل تكلفة من أنظمة تكييف الهواء مرتفعة الثمن التي تعتمد على الكهرباء.
وقالت فريتز: "إن هذه القضية في جوهرها قضية عدالة، لأن الناس لا يمتلكون جميعًا القدرة نفسها على حماية أنفسهم من الحرارة".

المصدر:

 

النشرة البريدية

الرجاء تعبئة التفاصيل ادناه لتلقي نشرتنا البريدية