الفيزياء

ساعات تعتمد على نواة الذرة بدأت تعمل للمرة الأولى

استخدم الباحثون بالفعل إحدى هذه الساعات النووية للبحث عن المادة المظلمة.

 

توجد في قلب إحدى الساعات النووية الجديدة بلورة من فلوريد الكالسيوم تحتوي على ذرات من الثوريوم.

 

للمرة الأولى، استخدم العلماء نواة الذرة نفسها كساعة.

تُصنع أدق الساعات في العالم حاليًا باستخدام الذرات، وبالتحديد إلكتروناتها. لكن الساعات التي تعتمد على نواة الذرة، أي البروتونات والنيوترونات، قد تصبح في المستقبل أكثر دقة منها، كما يمكنها أن تتيح طرقًا جديدة لاختبار القوانين الأساسية للفيزياء.

والآن، أصبح الحلم الذي استمر لعقود ببناء ساعة نووية حقيقة بالفعل، وفقًا لما ذكره فريقان مستقلان من الباحثين.

لا تزال هذه التقنية في مراحلها الأولى، لكن الفيزياء التي تقوم عليها تختلف كثيرًا عن تلك المستخدمة في الساعات الذرية، إلى درجة أنها بدأت بالفعل تفتح آفاقًا علمية جديدة، وفقًا لورقة بحثية قُدمت في الثالث من يونيو إلى موقع arXiv.org.

يقول الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا للتكنولوجيا (TU Wien) في النمسا: «في بعض أنواع القياسات، نحن نتفوق بالفعل على جميع الساعات الذرية».

 استخدم شوم وزملاؤه الساعة للبحث عن أدلة على وجود المادة المظلمة، وهي مادة غير مرئية يُعتقد أنها تمتلك كتلة كبيرة وتنتشر في أنحاء الكون.

لم تظهر أي إشارات إلى وجود المادة المظلمة في هذه التجربة. لكن العلماء قدّروا أن حساسية الساعة لبعض أنواع المادة المظلمة تعادل حساسية الساعات الذرية أو حتى تتفوق عليها.

يقول عالم الفيزياء النظرية فيكتور فلامباوم من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، الذي لم يشارك في البحث: «هذه نتيجة استثنائية».

ويرى أن هذا الإنجاز سيؤدي إلى مزيد من التطور في هذا المجال، مضيفًا:

«هذه ليست سوى الخطوة الأولى. لقد بدأ الآن السباق لبناء ساعات نووية فائقة الدقة».

وتساعد قدرة الساعات النووية المحتملة على دراسة المادة المظلمة وغيرها من الظواهر الفيزيائية غير المعتادة في تفسير سبب الاهتمام الكبير بها.

ويقول شيقيان دينغ من جامعة تسينغهوا في بكين: «أصبحت الساعات النووية واحدة من أكثر مجالات البحث نشاطًا في الفيزياء».

وفي دراسة قُدمت في السابع من يونيو إلى موقع **arXiv.org**، وصف دينغ وزملاؤه ساعتهم النووية التي تعتمد على تقنية مشابهة لتلك التي استخدمها شوم وزملاؤه.

لم تخضع أي من الدراستين بعد لمراجعة علمية من قِبل باحثين آخرين.

في قلب كلتا الساعتين توجد بلورات من فلوريد الكالسيوم تحتوي على الثوريوم، ويتم فحصها باستخدام أشعة الليزر.وأظهرت الساعتان مستوى أداء متشابهًا. استخدم دينغ وزملاؤه ليزرًا أقوى بكثير، في حين احتوت البلورة التي استخدمها شوم وزملاؤه على كمية أكبر من الثوريوم.

ويُعد الثوريوم العنصر الأساسي في هذه التقنية.

فمن بين جميع العناصر الموجودة في الجدول الدوري، يوجد نوع واحد فقط من النوى الذرية يمكن استخدامه لصنع ساعة نووية، وهو الثوريوم-229.

ويرجع ذلك إلى أن نواة العنصر يجب أن تكون مناسبة للعمل مع العنصر الأساسي الآخر في الساعة، وهو الليزر.

في الساعات الذرية والنووية، تعمل الموجات الكهرومغناطيسية المتذبذبة لضوء الليزر بطريقة تشبه حركة بندول ساعة الحائط القديمة.

ولو لم يكن ضوء الليزر مرتبطًا بمرجع ثابت، فإن تردده سيتغير تدريجيًا مع مرور الوقت، وكأن صوت «تك تك» في الساعة التقليدية بدأ يتباطأ أو يتسارع.

لكن في الساعة الذرية أو النووية، يتم تثبيت تردد الليزر اعتمادًا على الانتقال بين مستويين مختلفين من الطاقة في ذرة أو نواة معينة.

في الساعة الذرية، تقوم الإلكترونات بهذا الانتقال.

أما في الساعة النووية، فإن نواة الذرة نفسها هي التي تنتقل بين مستويي الطاقة.

ويتميز الثوريوم-229 بأنه النواة الذرية الوحيدة المعروفة التي يكون فرق الطاقة بين مستوياتها مناسبًا بحيث يمكن قياسه والتحكم فيه باستخدام الليزر.

ولكي يتم تثبيت الليزر عند هذا الانتقال في مستوى الطاقة، يجب تعديل تردده باستمرار، باستخدام نتائج القياسات لتحديد مقدار التغيير اللازم في تردده.

وفي الدراستين الجديدتين، نجح الفريقان في تطبيق حلقة التغذية الراجعة هذه، أي استخدام نتائج القياس بشكل متكرر لتصحيح تردد الليزر.

وكانت هذه الخطوة غائبة عن التجارب السابقة التي وضعت الأساس لتطوير الساعة النووية.

ويقول الفيزيائي لارس فون دير فينزه، الذي لم يشارك في البحث: «كانت هذه هي الخطوة الأخيرة المفقودة قبل أن نتمكن من تسميتها ساعة حقيقية».

ولم تتفوق هذه الساعات حتى الآن على أفضل الساعات الذرية من حيث دقة قياس الوقت.

لكن من المتوقع أن تتطور التقنية بسرعة، خاصة مع التحسينات المتوقعة في أجهزة الليزر والبلورات، بحسب فون دير فينزه من جامعة يوهانس غوتنبرغ في ماينتس بألمانيا.

وقد كان العلماء ينتظرون ظهور الساعات النووية منذ فترة طويلة.

وبالمقارنة مع الساعات الذرية، تكون الساعات النووية أقل تأثرًا بالمجالات الكهرومغناطيسية الخارجية.

كما يمكن تصنيعها باستخدام مواد صلبة، بينما تتطلب الساعات الذرية إبقاء الذرات معلقة داخل حجرات تفريغ كبيرة ومعقدة.

وهذا يفتح المجال أمام صنع ساعات فائقة الدقة تكون أصغر حجمًا، وأكثر متانة وأسهل في النقل.

إضافة إلى ذلك، تتأثر نوى الذرات بقوى تختلف عن تلك التي تؤثر في الإلكترونات، مما يفتح طرقًا جديدة للدراسة.

فالبروتونات والنيوترونات الموجودة داخل النواة ترتبط ببعضها بواسطة القوة النووية الشديدة، في حين تتأثر الإلكترونات بصورة أساسية بالقوى الكهرومغناطيسية.

وتحدد أرقام تُعرف باسم الثوابت الأساسية في الفيزياء القوة النسبية لهذه القوى.

ومن خلال مقارنة ساعة ذرية بساعة نووية، يمكن للعلماء البحث عن أي تغيرات محتملة في قيم هذه الثوابت مع مرور الزمن.

وقد تكون مثل هذه التغيرات ناتجة عن نوع من المادة المظلمة يُسمى المادة المظلمة فائقة الخفة، وهو النوع الذي بحث عنه شوم وزملاؤه في تجربتهم.

لقد كان الانتظار طويلًا منذ أن اقترح العلماء لأول مرة فكرة الساعة النووية المعتمدة على الثوريوم عام 2003.

لكن الفيزيائي إيكهارد بايك من المعهد الوطني للمترولوجيا في براونشفايغ بألمانيا يقول: «كنت دائمًا متفائلًا بشأن نجاح هذا المشروع».

وكان بايك أحد العلماء الذين اقترحوا فكرة الساعة النووية، كما أنه شارك شوم في تأليف الدراسة الجديدة.

وبعد أن كان التقدم بطيئًا في البداية، حقق الباحثون تطورات سريعة خلال السنوات الأخيرة.

ويقول بايك الآن: «أنا واثق من أن هذا الزخم سيستمر، وأن قدرًا كبيرًا من الأبحاث المثيرة للاهتمام لم يبدأ فعليًا إلا الآن».

المصدر:
 

النشرة البريدية

الرجاء تعبئة التفاصيل ادناه لتلقي نشرتنا البريدية