من العادات إلى العوامل الوراثية، تحدد عدة عوامل كيفية تأثير الكافيين عليك.

يُعدّ الكافيين، الموجود في العديد من المنتجات مثل القهوة ومشروبات الطاقة والمشروبات الغازية والشاي والشوكولاتة، أكثر المنبهات استهلاكًا في العالم. تشير التقديرات إلى أن 85% من الأمريكيين يشربون مشروبًا واحدًا على الأقل يحتوي على الكافيين يوميًا، حيث يستهلك كل شخص ما معدله 165 ملغ من الكافيين يوميًا، أي ما يعادل كوبًا ونصفًا من القهوة تقريبًا.
بالنسبة للبعض، لا تكفي هذه الكمية للبقاء متيقظًا طوال اليوم، بينما قد تُسبب للآخرين حالة من التوتر والقلق. فكيف يؤثر الكافيين على الجسم، ولماذا قد يختلف رد فعل الناس تجاه تأثيراته المنشطة؟
كيف يؤثر الكافيين على الجسم؟
على الرغم من ثبوت أمانه عند تناوله بجرعات كبيرة نسبيًا، إلا أن الكافيين يُعتبر مادة منبهة، أي مادة تُغير الحالة العقلية أو الجسدية للجسم. وتشرح أستريد نيهليغ، الحاصلة على درجة الدكتوراه في علم وظائف الأعضاء، والمديرة الفخرية للأبحاث في المعهد الفرنسي للصحة والأبحاث الطبية، كيف يُحدث الكافيين تأثيراته المرغوبة على نطاق واسع.
تقول نيهليغ: "الدماغ هو الهدف الأول للكافيين في الجسم. فعندما يتناول الشخص الكافيين بأي شكل من الأشكال، ينتشر بسرعة في جميع أنحاء الجسم، حيث تصل أولى آثاره إلى الدماغ في غضون دقيقتين إلى خمس دقائق، ويبلغ ذروته بين 45 و90 دقيقة بعد التعرض له".
وبمجرد وصوله إلى الدماغ، يُغير الكافيين الدوائر العصبية المسؤولة عن أنماط النوم واليقظة، ويمكن أن يُحفز اليقظة والنشاط اللذين يسعى إليهما الكثيرون.
في هذه الدائرة، تستشعر خلايا دماغية محددة، أو عصبونات، جزيئًا يُسمى الأدينوزين، والذي يتراكم على مدار اليوم مع استهلاكنا للطاقة. يرتبط الأدينوزين بمستقبلات متخصصة من النوع A1 وA2A على هذه العصبونات، مما يُبطئ نشاطها، ويزيد من الشعور بالنعاس، ويُساعدنا على النوم.
في هذه الدائرة، تستشعر خلايا دماغية محددة، أو عصبونات، جزيئًا يُسمى الأدينوزين، والذي يتراكم على مدار اليوم مع استهلاكنا للطاقة. على النقيض، ينخفض مستوى الأدينوزين أثناء النوم، مما يُزيل تأثيراته المُثبِّطة ويُساعدنا على الاستيقاظ بنشاط وحيوية. لكن قد يبقى الأدينوزين في الجسم خلال الصباحات المُرهِقة أو يرتفع مجددًا خلال فترة الركود بعد الظهر، حين يلجأ الكثيرون إلى مُنشِّط الدماغ المُفضَّل لديهم.
يُشبه الكافيين الأدينوزين كيميائيًا، بل ويرتبط بنفس المُستقبلات في دائرة النوم واليقظة الدماغية. لكن بدلًا من التسبب بالنعاس، يمنع الكافيين الأدينوزين من الارتباط، مما يُبقي الخلايا في حالة نشاط ويقظة أكبر.
يقول نيهليغ: "يُترجم هذا إلى زيادة في اليقظة، وتركيز أفضل، وكفاءة أعلى في العمل".
يُحفِّز هذا التفاعل أيضًا إنتاج الأدرينالين، مما يُدخل الجسم في حالة تأهب قصوى تُشبه "الكر والفر". ويصاحب ذلك الشعور بالنشوة والنشاط الذي قد يشعر به المرء بعد تناول مشروب يحتوي على الكافيين. قد يؤدي تأثير الكافيين على مستقبلات الأدينوزين إلى زيادة استجابة الدماغ للدوبامين، وهو هرمون السعادة الذي يُحسّن المزاج.
لكن الغريب أن تأثير الكافيين على الدماغ، رغم تنشيطه لنفس المسارات العصبية، يختلف اختلافًا كبيرًا بين الأفراد. وقد يعاني البعض من آثار جانبية غير مرغوب فيها، كالقلق والأرق، حتى مع تناول كميات قليلة نسبيًا.
فما الذي يُحدد استجابة أجسامنا للكافيين؟ يبدو أن عاداتنا الغذائية وتركيبنا الجيني هما العاملان الأكثر تأثيرًا.
روتين الكافيين
كما هو الحال مع المواد الأخرى، قد يُطوّر الجسم تحملاً للكافيين مع الاستخدام المتكرر. وهذا يعني أن الجسم يتكيف مع الكميات المُستهلكة بانتظام، ويحتاج إلى كميات أكبر تدريجيًا لتحقيق نفس التأثير.
ولأن الكافيين يشغل مستقبلات الأدينوزين ويمنعها من الارتباط بها، يُنتج الدماغ المزيد من هذه المستقبلات كرد فعل. وبمجرد أن يمتلك الشخص المزيد من مستقبلات الأدينوزين، يحتاج إلى المزيد من الكافيين لتحقيق نفس الفوائد المرجوة.
ولأن الكافيين يشغل مستقبلات الأدينوزين ويمنعها من الارتباط بها، يُنتج الدماغ المزيد من هذه المستقبلات كرد فعل. من المثير للدهشة أن تحمل الكافيين، ولو جزئيًا، قد يتطور خلال أسبوعين من الاستهلاك المنتظم، وذلك بفضل فوائده الجسدية والمعرفية.
لكن تكيف الجسم مع الكافيين لا يقتصر على الدماغ، إذ يمكن للمستهلكين المنتظمين أيضًا أن يصبحوا أكثر كفاءة في التخلص منه عبر الكبد.
يؤدي تناول الكافيين بشكل منتظم إلى زيادة نشاط إنزيم الكبد المسؤول عن تكسيره وإزالته، والذي يُسمى CYP1A2. هذا يُقلل من مدة تأثير الكافيين المنبه، مما يجعل الأشخاص الذين يتمتعون بعملية أيض مُحسّنة للكافيين أكثر قدرة على تحمل كميات أكبر منه والحاجة إليها مع مرور الوقت.
تشير إحدى الدراسات إلى أن هذه العملية التكيفية تتطلب استهلاكًا كبيرًا للكافيين. فقط أولئك الذين يشربون ثلاثة أكواب أو أكثر من القهوة يوميًا أظهروا نشاطًا مُعززًا في استقلاب الكافيين.
بالإضافة إلى عادات شرب القهوة، فإن استجابة جسمك للكافيين مُحددة أيضًا في حمضك النووي (DNA).
جينات الكافيين
يتشابه البشر بنسبة 99.9% في تركيبهم الجيني، لكن الاختلافات في 0.1% فقط من شفرتنا الوراثية هي المسؤولة عن الاختلافات بين أي شخصين. تُعرف هذه الاختلافات الجينية، التي تُسمى تعدد الأشكال الجينية، أو "الأشكال المتعددة"، بأنها مسؤولة عن سمات فريدة مثل لون العين، وفصيلة الدم، والاستعداد للإصابة بالأمراض، وحتى التأثيرات الفسيولوجية للكافيين.
وكما هو الحال مع التغيرات التي تتحكم بها العادات، يمكن أن يؤثر التباين الجيني في مستقبلات الأدينوزين أيضًا على استجابة الجسم للكافيين.تؤثر هذه الاختلافات الجينية على وظائف الخلايا العصبية في الدماغ، وبالتالي على حساسية الشخص لتأثيرات الكافيين، مما يجعل البعض شديدي المقاومة أو شديدي الحساسية. حتى أن بعض الأشخاص ذوي الحساسية المفرطة قد يُصابون بأعراض قلق حادة حتى من كميات قليلة نسبيًا.
وكما يوضح نيهليغ، قد تؤثر هذه الاختلافات الجينية أيضًا على أنماط النوم، مما يجعل البعض "شديدي الحساسية لتأثيرات الكافيين على النوم، وعادةً ما يمنعهم ذلك من شرب القهوة، خاصةً في وقت متأخر من بعد الظهر. في المقابل، يستطيع آخرون ممن لديهم تعبير مختلف لجين A2A شرب فنجان من القهوة في المساء دون التأثير على نومهم".
كما يمكن أن تؤثر تعددات الأشكال في إنزيم هضم الكافيين، CYP1A2، على حساسية الشخص، مما يقسم السكان بالتساوي تقريبًا بين "سريعي" و"بطيئي" استقلاب الكافيين.
يقول نيهليغ: "يحتاج الأفراد سريعي الاستقلاب إلى شرب المزيد من فناجين القهوة على مدار اليوم للوصول إلى مستوى فعال في دمائهم، بينما يكون الأشخاص بطيئو الاستقلاب أكثر محدودية في الكمية التي يمكنهم شربها دون التعرض لآثار جانبية غير مرغوب فيها".
من الآثار السلبية لهذا التعدد الشكلي الذي يُبطئ عملية التمثيل الغذائي، زيادة خطر الإصابة بنوبات قلبية غير مميتة مع الاستهلاك المنتظم للكافيين.
إذن، هل علاقتك بالكافيين علاقة حب أم كراهية؟ قد يعتمد الجواب على جيناتنا، أو عاداتنا اليومية، أو عوامل أخرى تمامًا، إذ لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه حول ما يُميزنا.
المصدر: