الفلك

ضعف الحجم وخمسين ضعف القوة: كشف ماضي كوكب المشتري البدائي

 

رسم توضيحي لكوكب المشتري مع خطوط المجال المغناطيسي المنبعثة من أقطابه.

 

لم يكن كوكب المشتري دائمًا الكوكب الذي نعرفه اليوم - فقد كان في يوم من الأيام ضعف حجمه، وكان لديه مجال مغناطيسي أقوى بخمسين مرة، وكانت قوته المبكرة هي التي شكلت بنية نظامنا الشمسي.

باستخدام مدارات قمرين داخليين صغيرين، قام العلماء بعمل هندسة عكسية لصورة لقطة من شباب كوكب المشتري المضطرب، متجاوزين بذلك حالة عدم اليقين النموذجية ومضيفين تفاصيل حية إلى قصة أصلنا الكوني.

دور كوكب المشتري في تشكيل النظام الشمسي

تحمل حياة كوكب المشتري المبكرة أدلةً قويةً حول كيفية نشأة نظامنا الشمسي. يُطلق عليه غالبًا اسم "مهندس" الكواكب، وقد ساعدت جاذبيته الهائلة في تشكيل مدارات جيرانه ونحت قرص الغاز والغبار الدوامي الذي شكّل في النهاية عائلة كواكب الشمس.

الآن، تُقدّم دراسة جديدة نُشرت في 20 مايو في مجلة Nature Astronomy نظرةً أعمق على البدايات الغامضة لكوكب المشتري. تتبع الباحثان كونستانتين باتيجين من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وفريد ​​سي. آدامز من جامعة ميشيغان الشكل القديم للعملاق الغازي إلى فترةٍ محورية، بعد حوالي 3.8 مليون سنة من ظهور أولى الجسيمات الصلبة في النظام الشمسي. شهدت هذه اللحظة تلاشي السديم الكوكبي الأولي - السحابة العملاقة من المواد التي أحاطت بالشمس الوليدة.

تم التقاط هذه الصورة المذهلة للبقعة الحمراء العظيمة لكوكب المشتري ونصف الكرة الجنوبي المضطرب بواسطة مركبة جونو الفضائية التابعة لوكالة ناسا أثناء مرورها بالقرب من الكوكب الغازي العملاق.

 

في ذلك الوقت، كان كوكب المشتري عملاقًا كونيًا أضخم مما هو عليه اليوم. ووفقًا لحسابات الباحثين، كان حجمه ضعف حجمه الحالي تقريبًا، وكان مجاله المغناطيسي أقوى بنحو 50 مرة مما نراه الآن.

يقول باتيجين: "هدفنا النهائي هو فهم أصولنا، وتحديد المراحل الأولى لتكوين الكواكب أمرٌ أساسي لحل اللغز. هذا يُقرّبنا من فهم كيفية تشكل ليس المشتري فحسب، بل النظام الشمسي بأكمله".

تتبع الأصول من خلال الأقمار

لكشف الحالة الأصلية لكوكب المشتري، نظر الفريق إلى بعض أصغر وأقرب أقماره: أمالثيا وثيبي. يدور هذان القمران الصغيران على بُعد أقرب إلى الكوكب من آيو، أصغر أقمار غاليليو الأربعة الكبيرة للمشتري.

ومن المثير للاهتمام أن أمالثيا وثيبي لا يدوران في مسارات مسطحة تمامًا. وقد وفّرت ميلاناتهما الطفيفة للباحثين أدلة قيّمة. من خلال دراسة هذه التذبذبات المدارية الدقيقة، تمكّن باتيجين وآدامز من العمل بشكل عكسي وتقدير مدى ضخامة وقوة كوكب المشتري في الماضي.

تشير نتائجهما إلى أن حجم كوكب المشتري في بداياته كان يعادل أكثر من 2000 ضعف حجم الأرض، وكان محاطًا بمجال مغناطيسي قوي بما يكفي لتشكيل محيطه بشكل جذري.

أصداء من 4.5 مليار سنة مضت

يُسلّط آدامز الضوء على الأثر الملحوظ الذي تركه الماضي على النظام الشمسي اليوم: "من المُدهش أنه حتى بعد 4.5 مليار سنة، لا تزال هناك أدلة كافية تُمكّننا من إعادة بناء الحالة الفيزيائية لكوكب المشتري في فجر وجوده".

الأهم من ذلك، أن هذه الرؤى تم التوصل إليها من خلال قيود مستقلة تتجاوز الشكوك التقليدية في نماذج تكوين الكواكب، والتي غالبًا ما تعتمد على افتراضات حول عتامة الغاز، ومعدل التراكم، أو كتلة نواة العناصر الثقيلة. بدلاً من ذلك، ركز الفريق على ديناميكيات مدارات أقمار المشتري وحفظ الزخم الزاوي للكوكب، وهي كميات قابلة للقياس المباشر. يُرسي تحليلهم صورة واضحة لكوكب المشتري لحظة تبخر السديم الشمسي المحيط به، وهي نقطة تحول محورية اختفت فيها مواد بناء تكوين الكواكب، وانغلقت البنية البدائية للنظام الشمسي.

بناءً على نظريات تكوّن الكواكب

تُضيف هذه النتائج تفاصيل جوهرية إلى نظريات تكوّن الكواكب الحالية، والتي تُشير إلى أن كوكب المشتري وغيره من الكواكب العملاقة التي تدور حول نجوم أخرى تشكّلت من خلال تراكم النواة، وهي عملية يتراكم فيها الغاز بسرعة في النواة الصخرية والجليدية. وقد طُوّرت هذه النماذج الأساسية على مدى عقود من قِبل العديد من الباحثين، بمن فيهم ديف ستيفنسون من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، أستاذ مارفن إل. غولدبرغر الفخري لعلوم الكواكب. وتستند هذه الدراسة الجديدة إلى هذا الأساس من خلال توفير قياسات أكثر دقة لحجم كوكب المشتري، ومعدل دورانه، وظروفه المغناطيسية في وقت مبكر محوري.

معيار جديد في تاريخ النظام الشمسي

يؤكد باتيجين أنه في حين أن اللحظات الأولى لكوكب المشتري لا تزال غامضة بسبب عدم اليقين، فإن البحث الحالي يُوضّح بشكل كبير تصورنا للمراحل الحرجة لتطور الكوكب. ويقول: "ما توصلنا إليه هنا يُعدّ معيارًا قيّمًا. نقطة يُمكننا من خلالها إعادة بناء تطور نظامنا الشمسي بثقة أكبر".

 المصدر

 

النشرة البريدية

الرجاء تعبئة التفاصيل ادناه لتلقي نشرتنا البريدية