.png)
أظهرت أبحاث سابقة من جامعة ميامي أن الأطفال قادرون على التعرّف على الوجوه المريضة، مما يبرهن أن حتى الصغار يستطيعون ملاحظة مؤشرات المرض، رغم أن الدقة تختلف حسب العمر. والآن، أخذ الباحثون هذا المجال خطوة أبعد للإجابة عن سؤال: هل يمكن تحسين هذه المهارة من خلال التدريب؟
استناداً إلى أعمالهم السابقة، نشر باحثون من جامعة ميامي وجامعة جيمس ماديسون وجامعة ديوك نتائج جديدة تُظهر أن البالغين يمكن بالفعل تدريبهم على تجنّب الأشخاص المرضى بشكل أكثر فعالية باستخدام ملامح الوجه فقط. الدراسة، التي نُشرت في مجلة Vision، هي الأولى التي تختبر ما إذا كان إدراك "الوجه المريض" – وهو عنصر أساسي في الجهاز المناعي السلوكي – يمكن تطويره عبر التجربة.
قالت تيفاني ليونغ، المؤلفة الرئيسية وطالبة الدكتوراه في علم النفس النمائي بجامعة ميامي:
"بدأنا هذا البحث قبل جائحة كوفيد-19 بقليل، لذا كان توقيته مثيراً للاهتمام. هدفنا العام كان دائماً تحسين الصحة العامة – تقليل عدد مرات انتقال الأمراض المعدية بين الأفراد."
تدريب العين على اكتشاف المرض
شملت الدراسة 133 بالغاً، معظمهم من طلاب جامعة ميامي، شاركوا في تجربة مصممة بعناية. عرض الباحثون على المشاركين 32 صورة لـ16 شخصاً – التُقطت لهم صور أثناء صحتهم وأثناء مرضهم بعدوى مثل كوفيد-19 أو الإنفلونزا أو التهاب الحلق أو الزكام. هذا النهج الفريد أتاح للباحثين التحكم في الفروقات الفردية مثل العمر والجاذبية وبنية الوجه.
تلقى نصف المشاركين تدريباً قصيراً على الأمراض شمل قصة تفاعلية، وفيديو تعليمي عن الأمراض المعدية، وتجارب تدريبية مع تغذية راجعة حول كيفية التعرّف على الوجوه المريضة. ركّز التدريب على ملامح وجهية أساسية للمرض، خصوصاً ارتخاء الجفون وارتخاء العضلات حول الفم.
قالت ليونغ:"من الأشياء التي لاحظناها مع الصور المعدلة رقمياً أنها ليست واقعية كثيراً. ما كان مهماً بالنسبة لنا هو الحصول على تمثيل أقرب للواقع لما يبدو عليه المرض، بما في ذلك الاختلافات."
تحسّن في التجنّب
بينما بدأ كلا المجموعتين بنسبة دقة بلغت نحو 65% في تجنّب الوجوه المريضة، تحسّنت المجموعة التي تلقت التدريب إلى 70%، بينما لم تُظهر المجموعة الضابطة أي تحسّن. المثير للانتباه أن التدريب لم يُحسّن القدرة الصريحة على التعرّف على الوجوه المريضة – إذ أدّت المجموعتان بشكل متشابه عند سؤالهم مباشرة عن هوية المريض. بدلاً من ذلك، عزّز التدريب السلوكيات اللاواعية في التجنّب.
وباستخدام تقنية تتبّع العين، اكتشف الباحثون أن التدريب غيّر طريقة نظر الناس إلى الوجوه. فقد قضت المجموعة الضابطة وقتاً أطول بالتحديق في الوجوه المريضة، بينما نظرَت المجموعة المدرَّبة بشكل متوازن بين الوجوه السليمة والمريضة، مما أتاح مقارنات منهجية. كما قام المشاركون المدرَّبون بمزيد من النظرات المتبادلة بين مناطق الفم، بما يتماشى مع ملاحظة ترهّل زوايا الفم المميزة للمرض.
وأوضحت ليونغ:"كانت مجموعة التدريب أكثر ميلاً بكثير لذكر العينين (92% مقابل 66%) والفم (40% مقابل 18%) كملامح اعتمدوا عليها في التعرّف على الوجوه المريضة."
تطبيقات واقعية
تُعد هذه النتائج ذات أهمية كبيرة للصحة العامة.
قالت ليونغ:"أعتقد أن لهذه النتائج تطبيقات عملية في تطوير برامج دراسية لتعليم الأطفال كيفية تجنّب المرض، وكذلك في البيئات الصحية من خلال تدريب المهنيين على التعرّف على المؤشرات الدقيقة في وقت مبكر."
أما إليزابيث سيمبسون، أستاذة مشاركة في علم النفس وأحد مؤلفي الدراسة، فقد شدّدت على التطبيقات الخاصة بالأطفال:
"بينما كان التحسّن لدى البالغين بسيطاً، نتوقع تحسّناً أكبر لدى الأطفال، الذين يواجهون صعوبة أكبر في التعرّف على الوجوه المريضة وبالتالي قد يستفيدون أكثر من هذا الدعم."
معالجة المخاوف الأخلاقية
أقرّ فريق البحث بالاعتبارات الأخلاقية المهمة المتعلقة بتعليم الناس التعرّف على المرضى. ففي قسم علم النفس، يعمل بعض أعضاء الهيئة التدريسية مع أفراد يعانون من الوسواس القهري والقلق المرتبط بالمرض، خاصة بعد جائحة كوفيد-19.
قالت ليونغ:"من المهم أن نؤكد أننا لا نعلّم الناس فرط اليقظة تجاه الأمراض، بل نحاول تحسين الدقة. نريد أن نعرف متى يكون الشخص المريض مريضاً، ومتى يكون الشخص السليم سليماً."
خطوات مستقبلية
يواصل فريق البحث توسيع دراساتهم حول اكتشاف المرض. فهم حالياً يجندون أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 5 و9 سنوات لاختبار ما إذا كان التدريب المشابه يمكن أن يحسّن إدراك الوجوه المريضة لدى الصغار. كما يستكشف الباحثون الفروقات الفردية، وتشير النتائج الأولية إلى أن النساء قد يمتلكن مهارات أفضل من الرجال في هذا المجال.
وقالت سيمبسون:"هناك العديد من الفروقات الفردية التي تهمّنا. نحن ننظر في ما إذا كانت النساء أثناء الحمل – حيث يُضعف جهاز المناعة ويصبحن أكثر عرضة – يظهرن أيضاً قدرة أكبر على التعرّف على الوجوه المريضة."
كما يعمل الفريق على توسيع نطاق أبحاثه عالمياً، بالتعاون مع باحثين في الصين لاختبار مدى قابلية تعميم نتائجهم عبر الثقافات. ويتم هذا التعاون مع قوانغيو زينغ من جامعة هونغ كونغ – شينزين، وهو أحد طلاب الدكتوراه السابقين لدى سيمبسون.
وقد شدّد الباحثون على أن عملهم لم يكن ممكناً لولا المتطوعين المستعدين لمشاركة صورهم أثناء المرض وأثناء الصحة. ولمزيد من المعلومات حول كيفية مساهمتك أنت أو طفلك في هذا البحث، يمكنك زيارة مختبر الإدراك الاجتماعي. كما يمكن للأطفال الاطلاع على المقال الموجّه لهم عبر الإنترنت لمعرفة المزيد حول هذا الموضوع.
المصدر: