استمرت الذكريات لدى الفئران حتى بعد فقدانها الروابط العصبية التي كنا نعتقد أنها ضرورية لاسترجاعها، وهو ما يوسّع فهمنا لكيفية عمل الذاكرة في دماغ الثدييات.
.jpg)
صورة مجهرية ضوئية تُظهر الخلايا العصبية لدى فأر. وقد وُسِمت هذه الخلايا بالبروتين الفلوري الأخضر لتمييز الخلايا الموجودة في أعماق مختلفة داخل نسيج الدماغ (حيث يشير اللون الأزرق إلى الخلايا الأعمق، والأخضر إلى الخلايا الأقرب إلى السطح).
Credit: DR GOPAL MURTI/SCIENCE PHOTO LIBRARY
قد تبقى ذكرياتنا محفوظة حتى بعد زوال نصف الوصلات العصبية في الدماغ التي تُخزّنها، وفقًا لدراسة أُجريت على فئران أُدخلت في حالة شبيهة بالسبات. ويمنحنا هذا الاكتشاف «المذهل» فهمًا أعمق لكيفية عمل الذاكرة، وقد يساعد يومًا ما في الكشف عن طرق لتحسينها.
يقول ستيف راميريز من جامعة بوسطن، والذي لم يشارك في الدراسة: «قد تكون الذكريات أصعب في المحو مما كنا نعتقد. هذه الدراسة تطوّر فهمنا لكيفية عمل الذاكرة بشكل كبير وجوهري».
عندما نتعرّض لمُنبّه ما، تنقل الخلايا العصبية الموجودة في أعضاء الحس، مثل العينين، إشارات كهربائية إلى الدماغ. وبعد ذلك تعالج الخلايا العصبية هذه المعلومات من خلال إرسال إشارات كهربائية إلى بعضها البعض عبر نقاط اتصال تُسمّى المشابك العصبية (Synapses).
تقوم هذه الخلايا العصبية، التي تُسمّى **خلايا الإنغرام العصبية (Engram neurons)، بترميز المعلومات وتكوين الذاكرة من خلال إنشاء مشابك عصبية جديدة وتقوية المشابك الموجودة مسبقًا. كما أن استرجاع الذاكرة يؤدي بدوره إلى تعزيز هذه الروابط وتقوية الذاكرة.
يعتقد كثير من العلماء أن الذاكرة تبقى محفوظة ما دام النمط المحدد للمشابك العصبية الموجودة على خلايا الإنغرام التي ترمز لهذه الذاكرة محفوظًا. ويستند هذا الاعتقاد جزئيًا إلى تجارب استُخدمت فيها أدوية أو أدوات جينية لتعطيل المشابك العصبية الموجودة على خلايا الإنغرام، وفقًا لما يقوله **كازوماسا تاناكا** من معهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا في اليابان.
لكن دراسات حديثة تشير إلى أن الذاكرة قد تستمر حتى عندما تتغير هذه المشابك العصبية من حيث موقعها أو عددها. وقد أثار ذلك تساؤلات حول «ما هو الضروري والكافي لكي تبقى الذاكرة محفوظة»، بحسب جورج دراغوي من جامعة ييل.
وللإجابة عن هذا السؤال، استلهم تاناكا وزملاؤه فكرتهم من الحيوانات التي تدخل في السبات.
يقول تاناكا:«أثناء السبات، يبدو أن نشاط الدماغ ينخفض بشكل كبير. لكن الدراسات التي أُجريت على الحيوانات التي تدخل في سبات طبيعي تُظهر أنها، بطريقة ما، عندما تستيقظ في الربيع، تتذكر أصدقاءها ومواقع الطعام الذي كانت قد خبأته قبل السبات».
ومن خلال دراسة كيفية الاحتفاظ بالذاكرة أثناء السبات — وهي حالة يمر فيها الدماغ بتغيرات كبيرة — كان الباحثون يأملون في كشف المبادئ الأساسية التي يستخدمها دماغ الثدييات لتخزين الذكريات على المدى الطويل.
ويقول راميريز:«استخدم الباحثون السبات بطريقة ذكية ومبتكرة جدًا للتعمق في مسألة الذاكرة واختبار كيفية عمل الدماغ».
قام الباحثون بتعريض أقدام الفئران لصدمات كهربائية خفيفة — علمًا بأن الفئران لا تدخل في السبات بشكل طبيعي — أثناء وجودها داخل حجرة تفوح منها رائحة الكحول، مما أدى إلى تكوين ذاكرة خوف مرتبطة بهذه الرائحة.
وفي اليوم التالي، عندما أُعيد وضع الفئران في الحجرة نفسها من دون تعريضها لأي صدمات كهربائية، تجمّدت في مكانها من الخوف.
بعد ذلك، أدخل الباحثون نحو نصف الفئران في حالة سبات اصطناعي لمدة يومين. وقد تم ذلك عن طريق حقنها بأدوية تعمل على إبطاء عملية الأيض، ثم وضعها في حجرة مظلمة.
بعد خمسة أيام، ظلت الفئران التي خضعت للسبات الاصطناعي تتجمد خوفًا عند وضعها في الحجرة ذات رائحة الكحول.
وقد حدث ذلك رغم أن صور الدماغ أظهرت أن أكثر من نصف المشابك العصبية الموجودة داخل خلايا الإنغرام في الحُصين (Hippocampus) — وهي منطقة في الدماغ تؤدي دورًا أساسيًا في الذاكرة — قد اختفت أثناء السبات.
يقول تاناكا:«على الرغم من إعادة التشكيل الهائلة التي طرأت على الدماغ أثناء السبات، بقيت الذكريات محفوظة».
ويقول دراغوي إن هذه النتائج قد تكون ذات صلة بالبشر أيضًا، لأن أبحاثًا سابقة أظهرت أن أدمغتنا تخزّن المعلومات بطريقة مشابهة جدًا لما يحدث لدى الفئران.
ويضيف راميريز:«هذا يخبرنا بشيء عن الكيفية التي قد تعمل بها أدمغة الثدييات، بما في ذلك أدمغتنا».
كما وجد الفريق أن أدمغة القوارض أثناء السبات احتفظت بالمشابك العصبية التي كانت متجمعة بالقرب من بعضها البعض على سطح خلايا الإنغرام، في حين اختفت المشابك الموجودة خارج هذه التجمعات.
ويشير ذلك إلى أن المشابك العصبية المتجمعة في عناقيد (clustered synapses) قد تكون على وجه التحديد ضرورية للاحتفاظ بالذكريات في الدماغ، وفقًا لتاناكا.
أما المشابك العصبية غير المتجمعة التي اختفت أثناء السبات، فقد عادت للظهور خلال يوم واحد بعد انتهاء السبات.
ويشير ذلك، بحسب تاناكا، إلى أنه في حين أن المشابك المتجمعة لخلايا الإنغرام ضرورية للاحتفاظ بالمعلومات الموجودة داخل الذكريات، فإن المشابك غير المتجمعة قد تكون مهمة للوصول إلى هذه الذكريات واسترجاعها.
.jpg)
قد تؤ*دي قوة الذاكرة لدى النساء إلى تأخير تشخيص مرض ألزهايمر لسنوات
يبدو أن النساء يحافظن على وظائف معرفية طبيعية لمدة تقارب ثلاث سنوات أكثر من الرجال بعد بدء تطور مرض ألزهايمر في أدمغتهن، مما يزيد من صعوبة تشخيص المرض وقد يحول دون بدء العلاج مبكرًا.
تقول بريانكا راو-رويز من جامعة فريجي في أمستردام بهولندا:
«تمثل هذه الدراسة خطوة مذهلة إلى الأمام، لأنها تتناول لغزًا قديمًا في أبحاث الذاكرة: كيف يحتفظ الدماغ بالذكريات طويلة الأمد؟»
ويعمل الفريق حاليًا على استكشاف المسارات الجزيئية التي تسمح للمشابك المتجمعة في خلايا الإنغرام بتخزين المعلومات، كما يخطط الباحثون لدراسة الآلية التي تسمح للمشابك غير المتجمعة بالظهور من جديد، بحسب تاناكا.
ويرى راميريز أن استهداف مثل هذه المسارات باستخدام الأدوية قد يكشف حتى عن طرق تساعد على منع تدهور الذاكرة أو إبطائه.
ويقول:«هذا يمنحنا الأمل في أنه حتى في الحالات التي يبدو فيها أن المعلومات قد فُقدت من الدماغ، سواء في حالات فقدان الذاكرة أو مرض ألزهايمر، فقد تكون الذاكرة رغم ذلك لا تزال موجودة».
المصدر: